مختلفة
منذ نعومة أظفارها وهي متميزة عن من كنّ في عمر الزهور مثلها
من
كنّ في عمر الطفولة المتأخرة مثلها كانت أكبر آمالهن أن يخرجن للعب في الشارع أو
اللعب في صحن الدار ساعات وساعات، أما هي فكانت تجلس على عتبة باب المنزل منتظرة
خالها الذي يعمل في المطبعة آملة أن يحضر معه كتابا أو قصة لتمضي في قرائتها ساعات
وساعات
من كنّ في عمر المراهقة مثلها كنّ يحلمن بالعريس ذو حصان أبيض
بأجنحة كبيرة ليطرن معه فوق الريح ويسكن السحاب، أما هي فكانت تحلم بعريس مكتمل
الرجولة ذو مسؤولية ومعرفة ودراية في شؤون الحياة الزوجية والعائلية تسكن معه في
حب أبدي
من كنّ في عمر تعلم المسؤولية مثلها كنّ يأملن أن يدخلن المطبخ
مع الوالدة ليتعلمن فنون الطهي للوصول إلى قلوب أزواج المستقبل، أما هي فكانت
عندما تناديها والدتها لتتعلم الطهي تهرب إلى قصصها ورواياتها لأنها كانت على ثقة
أن من سترتبط به لا بد أن يكون ذا ثقافة واسعة وأن طريق الوصول إليه هو ثقافتها
وليس طبيخها
من كنّ في عمر الزواج مثلها كنّ يحلمن بالشباب الذي كان يستكع
طوال النهار في الشوارع والأسواق يغازل هذه ويسأل تلك عن عنوان بيتها واعدا إياها
بالزواج، أما هي فكانت تنتظر زوجا لا يشبه أي رجل ممن كانت تراهم هنا وهناك. كانت
تنتظر شخصا تحلم به ولكن بدون معالم واضحة أو معروفة. كانت دائما تحلم أنها تزوجت
رجلا غريبا في مواصفاته، مختلفا في طلباته، متميزا في علاقته، ولهذا كله فإنها لم
تستغرب من نفسها عندما وافقت عليه
دخلت أمها الغرفة تعلو وجهها ملامح لم تراها
مسبقًا، وهي التي كانت لا تخفى عليها معاني أي من الملامح التي تعلو وجوه الناس تبعًا
لحالتهم النفسية. كانت تلك الملامح توحي بالاستغراب والاستهجان والخوف والقلق.
ملامح تنذر بحيرة بالغة وتساؤلات غريبة تدور في ذهن والدتها إنعكست على عينيها
اللتان كانتا تتحركان بسرعة غريبة مما جعل جمال تقف بسرعة وتقترب من أمها لتسألها
عن سبب ذلك التوترالظاهر وبشدة عليها
ـ
ما الأمر يا أمي؟ ما بك هكذا متجهّمة ومنزعجة؟ هل هناك خطب ما؟
ردت
والدتها باقتضاب وهي تضغط على شفتيها وكأنها لا تريد أن تتكلم
ـ
الضيوف مع أبيك وأخوانك
ـ
من الضيوف الذين في الخارج مع أبي وأخواني الشباب؟ ما بك يا أمي؟ خير إن شاء الله؟
ـ
لا أعرف يا ابنتي ماذا أقول لك ولكن يجب أن أقول لك كما كنت أقول لك في كل مرة
يأتيك من يخطبك من أبوك وإخوانك الشباب
ـ
ههههه. ثانية يا أمي؟ ثانية؟ ألا تملّون من هذا المنوال؟ مرة أخرى عريس؟ كم مرة قلت
لك يا أمي الحبيبة أني لا أريد أي من هؤلاء الشباب، لا أشعر أني أريد أحدا مهنم.
أنت تعرفين ما هي شروطي يا أمي. وفي كل الحي الذي نسكن فيه والأحياء التي تحيط بها
لا يوجد ذلك الذي يمكن أن أرتبط به. أشعر أن عريسي سيكون من عالم آخر أو من بلد
آخر. لقد حفظت جميع العائلات وجميع أبناءهم الذكور من كثرة الخطّاب يا أمي. لديك
أخواتي البنات إذهبي واستشيرهن لعل وعسى
ـ
لا ينفع يا ابنتي لا ينفع. هو يطلبك أنت وأنت فقط! يعرف كل بنات العائلة ولكنه لا
يريد سواك. ولكن ليس هذا ما يجعلني محتارة في أمري كما تقولين فما يحصل لك عادي
وطبيعي ومتوقع أن يأتي من يخطبك
ـ
إذا ما الأمر يا أمي؟ من هو هذا العريس الذي جعلك محتارة وخائفة هكذا؟ كل مرة يطرق
بابنا عريس كانت عبارات الفرح والسعادة والسرور تقفز من عينيك قبل أن تصل إلى
شفتيك وأنت تخبرينني بأنه يجلس مع أبي وأخواني. كنت تسارعين في زف الخبر إلي وكأنه
يوم سعدي المنشود. ما الأمر هذه المرة وما هو الاختلاف بينه وبين غيره ممن سبقنه
في الشهور الماضية؟ مللّت من هذه القصة يا أمي كل يوم والثاني. يكفي يكفي
ـ
آآه يا حبيبتي. هل رأيته عندما دخل بيتنا؟ هل لمحته في الصالة؟
ـ
كلا يا أمي. لم أشعر أصلا أن هناك أحدا في الخارج. كنت مندمجة في قراءة القصة التي
أحضرها لي أخي من المكتبة العامة عندما كان هناك يستوق في وسط البلد ولم أسمع أي
مما يحدث خارج غرفتي إلى أن حضرتي ودخلت علي الغرفة بهذه الملامح التي مازالت تحيرني
ـ
يا إلهي! لا يفزعني ولا يقلقني عليك إلا هذه القصص يا جمال. قصص وروايات جعلت من
تفكيرك وقراراتك ما يقلقني ويقض مضجعي. أثرها عليك واضح جدا وذلك بسبب رفضك لكل من
تقدم من قبل ولا أشك أن سحرها سيكون وراء سبب قرارك بخصوص هذا العريس في هذه
المرة
ـ
أمي حبيبتي أنت تثيرين فضولي. ما دخل القراءة والقصص والروايات في العرسان والزواج
وهذا العريس أو ذاك العريس. هيا يا عزيزتي أخبريني وبسرعة من هو هذا العريس؟ ماذا
يعمل؟ ما شكله؟ من أي عائلة هو؟ ماذا يختلف عمّن قبله ليسبب لك كل هذه الحيرة
والقلق؟ أمي لقد تشوقت لمعرفة من هو هذا العريس الذي جعلك تقلقين علي حتى قبل أن
أعرف من هو فأوافق أو أرفض
No comments:
Post a Comment